أحمد بن محمود السيواسي

109

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

والعقوبة ولاستحالة جواز الخطأ عليه ، ويجوز السؤال عنه على سبيل الاستكشاف والبيان كقوله « قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ » « 1 » الآية ( وَهُمْ يُسْئَلُونَ ) [ 23 ] لأنهم عبيده حقيقة فيسأل عما يفعلون من العدل والجور لإمكان الخطأ منهم ، فيقول لهم لم فعلتم في كل شيء فعلوه . [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 24 ] أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 24 ) ( أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ) وإنما كرره استعظاما لكفرهم حيث جعلوا له شريكا فأنت ( قُلْ ) لهم يا محمد وصفتم اللّه بأن له شريكا ( هاتُوا بُرْهانَكُمْ ) على ذلك ، أي كتابكم الذي فيه عذركم ( هذا ) أي الوحي المنزل إلي من ربي ، يعني القرآن ( ذِكْرُ ) أي خبر ( مَنْ مَعِيَ ) على ديني إلى يوم القيامة وهم أمته ( وَذِكْرُ ) أي وخبر ( مَنْ قَبْلِي ) من الأمم الماضية والكتب السابقة للأنبياء ، فراجعوا إلى القرآن والتورية والإنجيل وسائر الكتب ، هل تجدون فيها أن اللّه اتخذ ولدا أم لا ، فلما لم يرجعوا عن كفرهم أضرب عنهم بقوله ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ) أي لا يصدقون القرآن لجهلهم ، وقيل : لا يعلمون التوحيد « 2 » ( فَهُمْ مُعْرِضُونَ ) [ 24 ] عن النظر فيما يجب عليهم أو مكذبون بالحق الذي هو القرآن والتوحيد . [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 25 ] وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ( 25 ) ثم بين ما أمر من التوحيد في جميع الكتب للرسل كما أمر في القرآن لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم فقال ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ ) بالياء مجهولا وبالنون معلوما « 3 » على التعظيم ، أي نحن نوحي إليه كما نوحي إليك ( أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) [ 25 ] أي وحدوني ولا تشركوني . [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 26 إلى 27 ] وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ( 26 ) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ( 27 ) ونزل لما قال بعض الكفار الملائكة بنات اللّه « 4 » ( وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ) فنزه نفسه عن ذلك بقوله ( سُبْحانَهُ ) أي سبحان اللّه عن وصفهم بالولد ( بَلْ ) هم ( عِبادٌ مُكْرَمُونَ ) [ 26 ] أكرم اللّه تعالى بعبادته ، والعبودية تنافي الولادة وهم يتبعون لقوله و ( لا يَسْبِقُونَهُ ) أي اللّه ( بِالْقَوْلِ ) أي بقولهم ، يعني لا يتقدمون قوله بقولهم بل يأتون بمرداه ولا يخالفونه ( وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) [ 27 ] أي عملهم مبني على أمره لا يعملون عملا لم يؤمروا به ، لأنهم عارفون مراقبون . [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 28 ] يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ( 28 ) ( يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ) من أمر الآخرة ( وَما خَلْفَهُمْ ) من أمر الدنيا ( وَلا يَشْفَعُونَ ) أي الملائكة ( إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ) اللّه تعالى أن يشفع له من أهل الإيمان ( وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) [ 28 ] أي هم مع هذا كله من هيبته خائفون لا يأمنون من مكره ، لأنهم عاينوا من الآخرة فيخافون عاقبة الأمر . [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 29 ] وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ( 29 ) ( وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ ) أي من الملائكة أو من جميع الخلق فرضا ( إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ ) أي من دون اللّه ( فَذلِكَ ) أي القائل به ( نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) [ 29 ] أي المشركين وهو تهديد لمشركي مكة « 5 » ليمتنعوا عن « 6 » شركهم .

--> ( 1 ) آل عمران ( 3 ) ، 40 . ( 2 ) لعله اختصره من السمرقندي ، 2 / 366 . ( 3 ) « نوحي » : قرأ حفص والأخوان وخلف بالنون المضمومة وكسر الحاء ، والباقون بالياء التحتية المضمومة وفتح الحاء . البدور الزاهرة ، 210 . ( 4 ) نقله عن البغوي ، 4 / 47 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 366 . ( 5 ) لمشركي مكة ، وي : للمشركين ، ح . ( 6 ) عن ، ح ي : من ، و .